أنقذوا النحاس باشا، ودافعوا عن الغلابة، وحرسوا مرمى المحلة..
فتوات المحلة النبلاء
من المؤكد أن الروائى العظيم نجيب محفوظ، أفضل من كتب عن الفتوات والحرافيش كان سيسعد كثيرا لو أنه عاش بين فتوات المحلة زمان.. حيث كان سيجد صورة مختلفة للفتونة بمعناها الحقيقى.. عبرت عنها حكاياتهم وشهامتهم وشجاعتهم فى حماية الضعفاء.. ومساعدة المحتاجين.. والتصدى لكل من تسول له نفسه شرا لأهل منطقته، وكان لكل حى من الأحياء القديمة داخل مدينة المحلة "معلم فتوة".
ويأتى على رأس هؤلاء "اليمانى صق" فتوة "صندفا" الذى ضحى بكل ما يملك لمساندة حزب الأحرار الدستوريين الذى كان يرأس فرع حزبه بالمحلة نعمان باشا الأعصر عمدة المحلة وأول نائب لها بمجلس الشيوخ عام 1924 حيث كان ذراعه اليسرى وتولى حماية الباشا من هجمات وتعصب الوفديين داخل المحلة الذين قاموا بإلقاء حنطور الباشا بخيله فى النيل ونعتوه بالملوخية.. رغم كل ما قدمه نعمان باشا من خدمات جليلة للنهوض بمدينته من ماله الخاص قبل أن يرحل وهو فى عز عطائه وشبابه عن عمر يناهز 48 عاما.. وبعد وفاة الباشا عام 1927 قام اليمانى صقر بافتتاح قهوة بلدى بمنطقة صندفا على مدخلها صورة شهيرة وضخمة له بالجلابية والشومة.. وكان يكره الظلم حتى أنه ثار بعد الاعتداء الذى وقع على أحد جيرانه يدعى "شحاتة" وكان يقف بجوار القهوة ليبيع الكوارع والكرشة على عربة صغيرة من الخشب وأثناء سفره لشراء بضاعة من مدينة المنصورة خرج عليه مجموعة من البلطجية بزعامة شخص اسمه أبو الدهب من عتاة الإجرام واستولى على أمواله ولقنه علقة ساخنة، لكن اليمانى أقسم له بأن حقه لن يضيع وهدأ من روعه وبكائه ثم طلب منه أن يدله على مكانه فوصف له الحانة التى يجلس بها ولكنه حذره من وجود فتوات كثيرين لا يفارقونه، ورغم ذلك أسرع إليه اليمانى بمفرده ومعه شومته فقط ولما دخل على أبو الدهب ورجاله أهانه ورفض رد المال إليه فقام اليمانى بتحطيم الحانة على رءوسهم جميعا ولقنهم علقة ساخنة تحاكى عنها وجه بحرى كله.
أما "نجيب حيان" فتوة "المنشية القديمة" فظل حديث المحلة لفترات طويلة بسبب قصته مع النحاس باشا رئيس حزب الوفد ورئيس وزراء مصر الأسبق الذى كاد يتعرض لمؤامرة رخيصة رسمها رجال القصر من أجل إحراجه وإفساد زيارته إلى المحلة لدعم ممثلى الحزب بالمدينة (على بك الشيشينى) (وعبد المنعم بك خليل) اللذين قررا خوض الانتخابات البرلمانية عام 1951 فى مواجهة (عبد الرحمن حمادة باشا ) مدير عام شركة غزل المحلة ونائبه (عبد الحميد بك حمدى) وكانا يحظيان أيضا بتأييد السراى والحكومة رغم أن شعبيتهما وتاريخهما المشرف كان لا يحتاج إلى أى دعم وقيل إنهما وضعا تخطيطا هندسيا رائعا لتحويل مدينة المحلة لتصبح على غرار كبرى المدن الإنجليزية بغض النظر عن مسألة الانتخابات ولكن جاءت ثورة يوليو عام 52 لتجهض أحلامهما.. وكانت الخطة تقضى بالهجوم والاعتداء على موكب النحاس باشا لحظة نزوله من محطة القطار من قبل رجال البوليس الذين كانوا يتنكرون فى زى مدنى لكن فتوات المنشية بقيادة المعلم حيان رفضوا أن يهان النحاس باشا داخل مدينتهم ونجحوا فى التصدى لهم كما أسرع المعلم حيان بتهريب مصطفى النحاس وإخفائه داخل منزل أحمد بك كامل بشارع الحصرية وكان أحد أقطاب حزب الوفد بالمحلة وذلك حتى تهدأ الأمور.. وكانت منطقة المنشية فى الماضى أشبه بالقلعة الحصينة ويحمى مداخلها أبواب حديدية ضخمة سواء من ناحية مدخل شارع الحنفى أمام قهوة المحسب أو عند نهاية شارع الحصرية من الخلف، ويوجد بها العديد من الفتوات الجاهزين للدفاع عنها أمثال "عبده البياض" صاحب أقوى وأشهر "روسية" فى المحلة الذى عمل قارئا للقرآن بمسجد الحنفى بعد تقاعده، و "ذكى أبو وردة " الذى كان يشبه نجوم السينما ووقعت فى غرامه ملكة جمال المحلة التى تزوجها بعد قصة حب قوية بينهما لكنه تعرض لصدمة وحزن شديدين بسبب موتها المفاجئ فى أواخر الأربعينيات ولم يستطع أن يعيش فى المحلة بدونها فهاجر إلى الإسكندرية، أما ابن شقيقة "عبد السلام أبو وردة" من مواليد 1927 فكان مشهورا بأنه فتوة الرياضيين حيث كان بطلا فى المصارعة ورفع الأثقال وفى أثناء المشاجرات كان يسارع بحمل أى رجل يقابله ويقوم بقذفه على المتعاركين مثل فريد شوقى فى الأفلام المصرية وذلك لإجبارهم على فض الخناقة وكان صديقا حميميا لصلاح شقوير الحاصل على بطولة العالم العسكرية فى الملاكمة وعصمت البهنسى مهاجم فريق غزل المحلة فى الخمسينيات، فى حين كان الفتوة "عبده الفوطى" متخصصا فى حل المشاكل المتعلقة بالأراضى والعقارات، أما الفتوة "محمد التيت" فقد تعرض للغدر أثناء ذهابه لفرش بضاعته فى يوم جمعة بسوق سمنود حيث تلقى شومة على رأسة من بعض البلطجية أفقدته السمع نهائيا مما دفع زميلة الفتوة "عابدين زين العابدين" للانتقام وتقفيل مدينة سمنود بالكامل، ومن الجيل القديم أيضا "موسى التيال" أحد صبيان المعلم "نجيب حيان"،وكان الفتوات يقومون بتجهيز الطعام يوميا لإطعام الفقراء والمساكين والأطفال واشتهر معلمهم بالجود والكرم حيث كان يعمل تاجرا بسوق الغلال وقام بتمهيد أرض واسعة داخل "حارته" التى تحمل اسمه بها أشجار كثيفة من النخيل وذلك من أجل استقبال الضيوف الوافدين على مدينة المحلة بصحبة دوابهم للتسوق والتجارة وكان يقدم لهم البلح واللبن ومن شدة إعجابهم به أطلقوا عليه "البلح الحيانى"، وقد أثار حادث وفاة المعلم "حيان " الذى صدمته سيارة مسرعة لغطا كبيرا حيث تردد أن الحادث كان مدبرا، وقد أرسل الرئيس جمال عبد الناصر برقية عزاء فى يوم وفاته عام 58.
أنور رشوان حارس مرمى المحلة فى صورة جماعية للفريق
وفى " منطقة التوبة " برز الفتوة "محمود الأحول" الذى استعانت به الحكومة لتأمين أتوبيسات هيئة النقل العام بين المحلة وكفرالشيخ من هجوم واعتداء البلطجية فى بداية الستينيات الذين لجأ إليهم بعض سائقى سيارات الأجرة بكفر الشيخ اعتراضا على إنشاء فرع للهيئة بمدينتهم وقاموا بتحطيم مبنى المحطة وتوعدوا السائقين وكان السبب فى ذلك خوفهم من أن يؤثر الخط الجديد على أكل عيشهم حيث كانت وسائل النقل قى ذلك الوقت محدودة ومقتصرة فقط على القطارات وبعض سيارات الأجرة المعروف أصحابها بالاسم، أما وسائل النقل الداخلى فكان يحتكرها بعض أصحاب شركات الأتوبيس الخاصة مثل شركة أبو رجيلة فى القاهرة، والقصراوى فى طنطا، وعلى مصطفى بأتوبيسه الأحمر المميز داخل المحلة، واستطاع الأحول التصدى لهؤلاء البلطجية الذين فشلت الحكومة فى الوصول إليهم والتعامل معهم ونجح فى تأمين المحطة وحماية السائقين.
ومن أشهر فتوات التوبة أيضا "أحمد السامولى" الذى كان يتمتع بقوة خارقة لدرجة أنه كان يقوم بثنى الريال الفضة بيده واشتغل بالتجارة وكان رجلا وطنيا يعشق بلده ومدينته.
أما عباس المرسى الفطاطرى، فتوة "سوق اللبن" وسليل عميد التجار فكان سخيا وكريما مثل أبيه الحاج مرسى الفطاطرى الذى أضاع ماله فى البذخ الجنونى على حزب الوفد والوفديين ولما نفد ماله اشتغل عاملا بشركة غزل المحلة ليعيش ورفض أن يكون عالة على أولاده وكان أكبرهم حسن ثم عباس (الفتوة) ثم عبد الجليل الذى فضل العلم وأصبح مهندسا ووصل لمنصب مدير قسم النسيج بشركة مصر للغزل والنسج.. أما عباس فقد اتجه لتجارة الخضر والفاكهة بالجملة بعد تقاعده بسبب كبر سنه وكانت له وكالة فسيحة أمام صهريج المياه.
أنور رشوان فتوة خط سوق اللبن وحارس مرمى نادى غزل المحلة فى الخمسينيات
بينما أطلق أهل المنطقة "خط سوق اللبن" على "أنور رشوان" حارس مرمى غزل المحلة الشهير فى الخمسينيات الذى كانت له كلمة مسموعة ومحبوبا من الجميع وكان بارعا فى رياضة الملاكمة وظل حريصا على عدم استخدام قبضته عند حدوث المشاكل والأزمات لأنها كانت كفيلة بقتل أى شخص.
ومن أحسن فتوات جيل الوسط الذين لمع نجمهم بين الجيل الأول والثانى "مكى الشراكى" فتوة "الوراقة" وكان صاحب قهوة ويتمتع بالأخلاق والشهامة والجدعنة وكان له قصة غريبة وعجيبة حيث أطلقت عليه أمه اسم مكى تيمنا بمدينة مكة التى شهدت مولده فى أثناء ذهابها لأداء فريضة الحج وبعد أن بلغ سن الشيخوخة ذهب هو لأداء الحج لكنه لقى ربه هناك ليدفن بنفس المدينة التى شهدت مولده، ومن فتوات الوراقة أيضا "الزغبى الشرشابى" و "السيد أبو زيد".. وكان معلم فى صناعة النسيج.
مكى الشراكى فتوة منطقة الوراقة
أما " صلاح البلقينى " فتوة " السويقة ".. فكان من أشهر فتوات الصف الثانى وتردد أنه ضرب فتوات بولاق مع أصدقائه محمد مونه وفتوه ثالث اسمه السراج.
وكان للمحلة فتوات آخرون لكنهم ليسوا على نفس المستوى منهم الششتاوى الفولى وكان صاحب "منجلة قماش" بسوق الخضار، وحسين وحسن الأصف ، السيد العربى الذى قتلته امرأة بتدبير وطغيان المال، سعد الله شيحة والذى قام بتأديب " حسن موسى " الذى كان يدعى بأنه أشهر فتوات العباسية وذلك بسبب تطاوله واعتدائه بالضرب على أحد أصدقائه من المحلة والذى كان يعمل بالقاهرة ويقطن بمنطقة عبده باشا فاستقل أول سيارة بيجو وقام بتعليقه على شجرة فى وسط الميدان.
مصطفى النحاس باشا وسط مؤيديه
ومن أشهر الحكايات التى لم تسقط من ذاكرة أهل المحلة زمان ماحدث "لعشوش" قاطع الطريق الذى جاء من المنوفية لفرض الإتاوات على عمال شركة غزل المحلة فى أوائل الأربعينيات وكان يجلس جهارا نهارا على مكتب بجوار بوابات الشركة مع نهاية كل شهر لكى يحصل على إتاوة من العمال أثناء خروجهم من المصانع وكان شرسا أسود اللون ويعاونه مجموعة من البلطجية الأشداء.. وكان العمال يخفون ما يتعرضون له حتى لا يلاحقهم العار أمام زوجاتهم وبعد اكتشاف الأمر وبكاء زوجات العمال أمام الفتوات لإنقاذ أسرهم، قرر فتوات المحلة وضع حد لنهاية هذا البلطجى ورفاقه وتم إعداد خطة نفذها عشرة رجال من فتوات المحلة بقيادة اليمانى صقر " فتوة صندفا " والمعلم دعوة " فتوة الشون " حيث تم تقسيمهم إلى مجموعتين كل مجموعة من خمسة أفراد الأولى توارت خلف مبنى النادى الزراعى لمواجهته من الأمام والأخرى خلف فندق سافوى لقطع الطريق عليه من الخلف أثناء مروره فوق كوبرى الإنجليز الذى يربط تلك المنطقة بشركة غزل المحلة حيث كان فى طريقه للعودة إلى قريته بالمنوفية وعندما شاهد هروب رجاله الذين قفزوا فى النيل عقب ظهور الكمين الأول حاول الهرب إلى الخلف لكن الكمين الثانى كان أسرع إليه وتمت محاصرته وإلقائه فى فرع بحر الملاح بعد أن تلقى علقة موت ساخنة وحتى اليوم لايعرف أحد مصيره.
صفحات المقال
عرض الصفحة وتكبيرها

