أشهرهم: روكا وكلفيانو وعباس..
فى مدرستنا مصوراتى
من منا لا يتذكر الصورة المدرسية فى زمن الأبيض والأسود ببراءتها ورونقها وسحرها الغريب.. ومن منا ينسى المصوراتى الذى كان حضوره إلى مدارسنا الحكومية بمثابة يوم عيد.. وكيف أصبحت مصر محط أنظار المصورين الأجانب ومنها مدينة المحلة التى تتلمذ على أيديهم فيها أسماء عديدة صنعوا تاريخ التصوير بالأبيض والأسود.
صورة جماعية لأطفال مدرسة الفرير بالمحلة خلال فترة الستينيات وبينهم المسيو أرنست زهرة ناظر المدرسة وألفريد روجيه والأب جوان مدير المدرسة والأستاذة تريز مدرسة الفرنساوى والأستاذة إنصاف
فى بداية القرن الماضى كان العامة وعدد كبير من المشايخ يحرمون التصوير ويعتبرونه عادة وثنية وظل الأمر كذلك حتى فترة العشرينيات حيث لم يكن الناس حريصين على أن يكون لهم أى سجل من الصور إلا إذا كانوا مضطرين لذلك من أجل استخراج ترخيص معين ورغم هذا وفد إلى مصر عدد كبير من أشهر مصورى العالم بعد أن جذبهم سحرها وآثارها الفرعونية والإسلامية الخالدة فعاشوا واستقروا بها وبرز فى القاهرة المصور الأرمنى " فان ليو" الذى برع فى تصوير نجوم السينما والمسرح، والإنجليزى "هانزل مان" المصور الخاص لجلالة الملك فؤاد ثم فاروق، والأرمنى " ليكيجيان" الذى أنتج آلاف الصور للحياة اليومية فى مصر، و"جارو" الذى تخصص فى صور الزفاف.
أما المحلة الكبرى فقد نزح إليها الإيطالى " كلفيانو" واستقر فى منزل قديم بشارع البهلوان يملكه تاجر دخان اسمه "مصطفى الصريف" وظل هذا المصور منفردا حتى أوائل الثلاثينيات وبرع فى التقاط الصور العائلية داخل البلاتوه الذى أقامه بجوار منزله وحظى كلفيانو باهتمام كبير من أبناء الجاليات الأجنبية الذين تواجدوا بكثرة فى المحلة مع أوائل القرن العشرين للعمل والتجارة فى مجال القطن وكان أغلب زبائنه من اليونانيين والإنجليز والشوام واليهود وبعد وفاته ورث تلميذه "فؤاد الحداد" هذا الاستوديو وأطلق عليه استوديو "العربى" كما كان من تلاميذه أيضا المصور "محمد أنور المحروق" وكان له مقر فى الدور الأول بنفس المنزل.
صورة نادرة من أعمال "كلفيانو" عام 58 لتاجر البن والخمور الشهير الخواجة اليونانى "استليو كاكريس" ومعه جاره عبدالحى مقبل بائع الأجهزة الكهربائية
أما الفنان والمصور الإيطالى "روكا " فقد جاء إلى المحلة مع افتتاح شركة مصر للغزل والنسج عام 1931 وأصبح المصور الخاص للشركة حتى نهاية فترة الستينيات وأطلق عليه مصور الملوك والزعماء فهو صاحب العديد من اللقطات الشهيرة للملك فاروق وطلعت حرب باشا والرئيس محمد نجيب والزعيم جمال عبد الناصر كما تولى تصوير معظم الأنشطة الرياضية ومباريات الكرة لفريق غزل المحلة خلال فترة الأربعينيات والخمسينيات وكان يوقع على أعماله وصوره بقلم رصاص باللغة الإيطالية أما التوقيع بالعربية فكان بختم صغير يحمله معه دائما ومكتوبا عليه "ج روكا"
فريق غزل المحلة فى الخمسينيات بعدسة روكا
صورة فريدة لطلعت حرب باشا مع عدد من موظفى شركة غزل المحلة بعدسة روكا
ويعد "عبد الحليم راضى" والد المطربة عفاف راضى أحد أوائل المصريين الذين احترفوا مهنة التصوير داخل مدينة المحلة بعد أن جاء إليها من قرية بسيطة التابعة لمدينة السنطة فى فترة الثلاثينيات واستقر فى منزل كبير بشارع الخديو توفيق ضم أيضا معمل التحميض والطبع اليدوى الخاص به، واحترف عدد كبير من عائلته نفس المجال ومنهم الدكتور ماهر راضى الذى أصبح أستاذا لقسم التصوير بالمعهد العالى للسينما .. كما تخرج على يديه أيضا العديد من المصورين الموهوبين منهم "عباس عبد النبى صيام "الذى كان أحد أشهر مصورى طلبة المدارس فى المحلة وكان يملك كاميرا صندوقية من الخشب تعمل بنظام "الفريم الواحد" فكل لقطة لها كادر أو نجاتيف خاص بها داخل برواز خشب يتم استبداله استعدادا لالتقاط الصورة التالية، وظل يجوب بها مدارس المحلة لأكثر من ثلاثين عاما ذاع خلالها صيته وأصبح معروفا بين التلاميذ وأبناء المدينة فقد كانت صورة عم عباس أغلى ذكرى على زمن الجمال والبراءة والشقاوة.
وشاركه نفس المجال أيضا الأستاذ " لطفى الغنام" الذى كان يعمل مدرسا لمادة الرسم فى مدرسة عبد الحى خليل وكان يعشق مهنة التصوير بجنون وحب حتى أنه قام باستئجار محل كبير مقابل 7 جنيهات فى الشهر وهو مبلغ خيالى فى هذه الفترة وحوله لاستوديو ضخم وكان يجيد تصنيع وتجميع الكاميرات بأنواعها كما حرص على تعليم أسرار مهنته للطلبة والمبتدئين لكنه رحل عن الحياة وهو فى عز شبابه عام 1973 وكان عمره 48 سنة.
صورة نادرة لطلبة وأعضاء هيئة التدريس بالمدرسة اليوسفية بالمحلة التى اندثرت حاليا
المصور لطفى الغنام مع عساكر الأمن أمام ملعب المحلة فى الستينيات
شيماء الابنة الكبرى لعباس تقف خلف الكاميرا الشهيرة لأبيها
المصور عباس مع الفنان محى إسماعيل والمخرج السينمائى منير راضى الشقيق الأكبر للمطربة عفاف راضى بمناسبة افتتاح الاستوديو الجديد للدكتور ماهر عبدالحليم راضى بالمحلة
ومع بداية الستينيات صار فى المحلة عدد كبير من المصورين المحترفين ولكن قامت الحكومة بالقبض على عدد منهم بسبب انتمائهم لطائفة الديانة البهائية ومنهم المصور أحمد غانم الذى كان أحد مؤسسى علم التصوير بالمحلة وكان يملك استوديو بجوار مسجد أبو الفضل وتم القبض على شقيقه أيضا، أما عبد الرحمن نوفل صاحب استوديو " فوتو أكسبريس " الذى كان رئيسا لطائفة البهائية بالمحلة فقد انصرف عنه معظم زبائنه رغم براعته ومهارته فى مجال التصوير.. وشهدت هذه الحقبة تنافس شريف بين أصحاب محال التصوير وفرض بعضهم بصماته بقوة فى فنون المهنة مثل المصور عبد المعطى البلتاجى صاحب "استوديو جمال" الذى برع فى فن البورتريه والكروت الشخصية مقاس6*9 وأحمد الشاذلى صاحب "استوديو العائلات" ومحمد عبد الرحمن صاحب "استوديو افرست " وتخصصا فى صور الزفاف الراقية، أما المصور محمد حفيضة فكان من أوائل الذين استخدموا الكاميرا المتنقلة فى الشوارع التى يطلق عليها (الكاميرا المائية) حيث ضحى بوظيفته فى شركة مصر من أجل التصوير وكان يقف بكاميرته فى البداية أمام أبواب الشركة لطبع الصور المستعجلة التى يحتاجها العمال ثم قام بافتتاح استوديو خاص به فى شارع البهلوان وطوره أبناؤه الذين ورثوا حب المهنة عن أبيهم.
بينما تخصص استوديو المصور شكرى اسطفانوس فى تلوين الصور الأبيض والأسود بالألوان الخشب قبل ظهور الطباعة بالألوان، وشارك هذه المجموعة فى النجاح أسماء أخرى أيضا منهم: المصور فوزى عبادى، بشرى ومسيحة بانوب، مختارعبد الدايم، حسنى الشاذلى، محمد بكر، هانى عبد السلام، الأخوان عزت وكمال وهبة، فاروق عمام، محمد المحلاوى، فاروق الملاح، حمادة الشاذلى.. وهذه الاستوديوهات كانت العائلات تحرص على الذهاب إليها مرتين فى العام الأولى فى بداية فصل الصيف والثانية مع دخول موسم الشتاء وذلك لالتقاط الصور التذكارية وكانت هذه الزيارات بمثابة نزهة أو فسحة جميلة الكل يرتدى فيها أجمل الثياب لكن معظمها اختفى الآن وتحول بعضها إلى محال لبيع أجهزة الموبايل التى يتم استعمالها حاليا فى التقاط الصور السيلفى.
الفنان السيد راضى مع عدد من مصورى المحلة وهم من اليمين أحمد الشاذلى وعباس صيام ومحمد عبدالرحمن
عباس فى شبابه بعدسة الفنان عبدالحليم راضى
أبناء المهنة فى زمن الشهامة والوفاء المصور محمد حفيضه ومنافسه عباس صيام


